الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
82
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المأثور عليه إذا كان ذكر المأثور يشير إليه كما إذا كان المأثور والمأثور عليه ضدين كما هنا لما هو شائع من المقابلة بين الحياة الدنيا والآخرة . وقد يترك ذكر المأثور اكتفاء بذكر المأثور عليه إذا كان هو الأهم كقوله تعالى : وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ [ الحشر : 9 ] لظهور أن المراد يؤثرون الفقراء . والمراد بالحياة الدنيا حظوظها ومنافعها الخاصة بها ، أي التي لا تشاركها فيها حظوظ الآخرة ، فالكلام على حذف مضاف ، تقديره : نعيم الحياة . ويفهم من فعل الإيثار أن معه نبذا لنعيم الآخرة . ويرجع إيثار الحياة الدنيا إلى إرضاء هوى النفس ، وإنما يعرف كلا الحظين بالتوقيف الإلهي كما عرف الشرك وتكذيب الرسل والاعتداء على الناس والبطر والصلف وما يستتبعه ذلك من الأحوال الذميمة . وملاك هذا الإيثار هو الطغيان على أمر اللّه ، فإن سادتهم ومسيريهم يعلمون أن ما يدعوهم إليه الرسول هو الحق ولكنهم يكرهون متابعته استكبارا عن أن يكونوا تبعا للغير فتضيع سيادتهم . وقد زاد هذا المفاد بيانا قوله بعده : وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ الآية . وبه يظهر أن مناط الذم في إيثار الحياة الدنيا هو إيثارها على الآخرة ، فأما الأخذ بحظوظ الحياة الدنيا التي لا يفيت الأخذ بها حظوظ الآخرة فذلك غير مذموم ، وهو مقام كثير من عباد اللّه الصالحين حكاه اللّه تعالى عن صالحي بني إسرائيل من قولهم لقارون : وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا [ القصص : 77 ] . وقوله : مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ مقابل قوله : مَنْ طَغى لأن الخوف ضد الطغيان وقوله : نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى مقابل قوله : وَآثَرَ الْحَياةَ الدُّنْيا ونهى الخائف نفسه مستعار للانكفاف عن تناول ما تحبه النفس من المعاصي والهوى ، فجعلت نفس الإنسان بمنزلة شخص آخر يدعوه إلى السيئات وهو ينهاه عن هذه الدعوة ، وهذا يشبه ما يسمى بالتجريد ، يقولون : قالت له نفسه كذا فعصاها ، ويقال : نهى قلبه ، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول عروة بن أذينة : وإذا وجدت لها وساوس سلوة * شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها والمراد ب الْهَوى ما تهواه النفس فهو مصدر بمعنى المفعول مثل الخلق بمعنى المخلوق ، فهو ما ترغب فيه قوى النفس الشهوية والغضبية مما يخالف الحق والنفع